نويسنده: admin    بخش: الصفحة الأصلیة, المؤلفات    تاريخ: ۲۶ دی ۱۳۸۹       

mohazerat1

المحاضره الثالثه لسماحه آیه الله العظمى المیرزا الشیخ جواد التبریزی قدس سره الشریف محاضرات ألقاها سماحته (قده) فی رحلاته إلى مدینه کرکوک فی شمـال العراق لأداء وظیفـه التبلیـغ أیام شبابه (قده),وکانت هذه المحاضرات قد ألقیت باللغـه الترکیه, فترجمت وأعیدت صیاغتها لتبقى ذخراً من مآثر هـذا المرجع العظیم.

نسخه کامل للتحمیل

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله رب العالمین, ووالصلاه والسلام على أشرف الأنبیاء والمرسلین, سیدنا ونبینا أبی القاسم محمد, وعلى آله الطیبین الطاهرین.

وبعد:

جوّ الآیه المبارکه

قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ, لَعَلِّی أَعْمَلُ صَالِحًا فِیمَا تَرَکْتُ کَلَّا إِنَّهَا کَلِمَهٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى یَوْمِ یُبْعَثُونَ}(۱)

تتضمن هذه الآیه المبارکه بعض المضامین التی أراد الله سبحانه وتعالى أن یبیّنها فی القرآن الکریم, والقرآن کتاب أنزله الله تبارک وتعالى لهدایه البشر وإخراجهم من الظلمات الى النور, والآیه الکریمه تصوّر لنا حاله من أرتحل عن هذه الدنیا وقد بانت علیه آثار الحسره والندم ویتمنى لو یرجع مره أخرى الى الحیاه الدنیا لیعمل صالحا أو لیکمل ما بقی ناقصا من أعماله والحال أنه کان فی الدنیا وسمع الخطاب الالهی إلا انه کان یسوّف أعماله بحجه ان الله کریم وان الوقت متسع. وهؤلاء الناس لهم حالتان:

فإما أنهم سمعوا الخطاب الإلهی وما صدقوه. أو أنهم صدقوه ولکن الشیطان منعهم من امتثاله. ویستفاد من بعض الأخبار أنهم سیرون ما سمعوا فی دیار الدنیا وعندها سیندمون على تقصیرهم فی امتثال الأوامر الإلهیه, ویتعجبون من سرعه انقضاء العمر لهواً وعبثاً, وفوات الفرصه علیهم فیتألمون لذلک. ولکن هذه الحسره والندم سوف لن یغیّران من الأمر شیئا.

والآیه الکریمه تروی لنا حدیثهم الذی لیس له أی أثر فالجواب الإلهی هو: {کَلَّا إِنَّهَا کَلِمَهٌ هُوَ قَائِلُهَا} أی: أنه لا سبیل الى الرجوع الى الدنیا بعد الموت؛ فالإنسان إذا أدرکه الموت بدأ طریقاً جدیداً {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى یَوْمِ یُبْعَثُونَ} وهذه هی المرحله الثانیه. وهی مرحله الانبعاث بعد انتهاء المرحله الأولى, والشیطان اللعین عدوٌ لنا فی هذه الدنیا یلاحقنا أینما کنا, ولکن بمجرد أن ننتقل من هذه الدنیا الى الآخره عن طریق الموت فإنه سیترکنا لأن دوره انتهى.

کلمه لأمیر المؤمنین × فی هذا المجال

یقول الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب ×: >وأعلموا أنه لیس لهذا الجلد الرقیق صبر على النار, فارحموا نفوسکم فإنکم قد جربتموها فی مصائب الدنیا, أفرأیتم جزع أحدکم من الشوکه تصیبه والعثره تدمیهوالرمضاء تحرقه؟ فکیف إذا کان بین طابقین من نار؟ضجیع حجر وقرین شیطان.<(1)

یرید الإمام × أن یقول لنا: کیف تصبرون على تحمل هذا العذاب؟ ولاحظوا بأن القائل هو أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب ×, وأن الخطاب موّجهٌ لنا, ومن هنا تشیر الآیه الکریمه الى ندم الناس بعد موتهم وتمنیهم الرجوع الى الدنیا مره أخرى لیعملوا صالحاً, ولکن محالٌ أن یرجعوا من بعد موتهم؛ لأن الله تعالى جعل الدنیا دار لامتحان الناس واختبارهم.

خیانه الأمه وتخلفها عن الإمام ×

وحینما رحل الرسول الأکرم | الى الرفیق الأعلى کان أمیر المؤمنین × مشغولاً بتجهیز الجنازه الطاهره؛ إذ أوصاه الرصول | وقال له: >یا علی غسّلنی وکفنی بنفسک<. فقال له الإمام ×: >کیف أغسک وأکفنک لوحدی؟< فأجابه الرسول | : >إن الملائکه ستُعینک على ذلک<. فکان الإمام × وحیداً أثناء تغسیل الرسول | فدخل علیه سلمان (رض) وأخبره بأن القوم اختاروا أبا بکر خلیفهً, والناس تبایع. وکان سلمان یظن أن الامام × سیتعجب من سماع هذا الخبر, وإذا بالإمام × – بعد توقفٍ قصیر – یقرأ الآیه المبارکه: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ یُتْرَکُوا أَنْ یَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا یُفْتَنُونَ}(۱).ولذا نرى بعض الناس یظنون بأن مجرد إیمانهم کافٍ فی نجاتهم من الحساب والسؤال عن أعمالهم یوم القیامه. فالإمام أمیر المؤمنین × یقول لسلمان : إن هذا امتحان من الله تعالى لهذه الأمه التی تدّعی الإسلام, وکانت تدخل فی دین الله أفواجاً.

نحن أیضاً معرّضون للإمتحان

وکما امتحن الله تعالى هذه الأمه فإنه سیمتحننا نحن أیضاً, ولکن امتحاننا یختلف عن امتحانهم بطبیعه الحال. ولم تخسر الأمه جمیعها فی ذلک الامتحان العسیر, بل نجح منهم قله بعد رحیل الرسول الأکرم | فاجتازوا الامتحان وبلغوا درجات عالیه, واستحقوا مقامات رفیعه وتزوّدوا من الدنیا حاجتهم, ولم یضیّعوا أعمارهم عبثاً, ولذا فإننا نذکرهم دائماً بالإجلال والإکبار وطیب الذکر: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِینَ قُتِلُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْیَاءٌ}(۱) والعشق الإلهی هو الذی أوصلهم الى هذه المنازل الکریمه؛ ولذا فأنهم فازوا وخلدوا. وحتى فی زماننا هذا یوجد بعض الناس ممن نجح فی الاختبار الإلهی, واستفاد من عمره على الوجه الصحیح فرحل عن هذه الدار الى تلک الدار متزوّداً بأجلّ الأعمال وأفضلها. وهناک أیضا بعض الناس ممن خسر الدنیا والآخره.

کیف فاز المؤمنون الأوائل؟

وهنا ینبری هذا السؤال وهو: کیف تمکّنت هذه القله القلیله من النجاح بعد رسول الله |؟ وما هو الامتحان الذی نجحوا فیه؟ وعلى أیّ مصیبه صبروا؟ وأیّ مشقهٍ تحملوا؟

فی رحاب أبی ذر الغفاری (رض)

وحینما نرجع الى التاریخ ونطالع حیاه أبی ذر الغفاری (رض) على سبیل المثال, فماذا فعل هذا الرجل؟ وما هی الآثار التی خلّفها من بعده؟ نجد بأنه کان مجتهداً فی تبلیغ الروایات والأخبار بعد رحیل الرسول الأکرم|, فقد بلّغ وصایا الرسول | الى کل مکان وصله. وقد تحمّل بسبب ذلک الکثیر من المشاکل؛ إذ لم یکن عمله هذا لیرضی السلطه الحاکمه؛ فکانت تلجأ الى شتى الأسالیب لإیقافه, ولم یشتک أبو ذر (رض) من أیّ أذیه أو ظلم؛ بل صبر على تلک المصائب والآلام. فانزعجوا من صبره وتحمّله فقرروا إخراجه من المدینه ونفیه الى الشام, وتم لهم ذلک ونُفی ابو ذر الى الشام, وکان والیها معاویه بن أبی سفیان, وکان السبب الرئیسی لإخراج أبی ذر هو ما رواه من الأحادیث فی حق أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب × وأحادیث أخرى فی ذم بعض الصحابه, وما نقله عن الرسول | من الروایات فی حق أهل البیت ^. ولم یتوقف أبو ذر & عن نشاطه؛ بل بدأ وهو فی الشام یبث الروایات, ویبلّغ الأخبار النبویه فی کل مجلس جَلَسه, وفی کل بلدٍ وَصَله.

وتذکر المصادر التاریخیه أن الشیعه الموجودین الیوم فی جبل عامل هم من برکات ذلک التبیلغ الذی قام به أبو ذر الغفاری & . فهو & بلّغ کل روایه سمعها عن الرسول | بلاخوفٍ ولا وجل, وکان یجلس فی المجلس فیقول کما کان یقول, ویجتمع إلیه الناس حتى کثُر من یجتمع إلیه ویسمع منه ، وکان یقف على باب دمشق إذا صلى صلاه الصبح فیقول: >جاءت القطار تحمل النار ، لعن الله الآمرین بالمعروف والتارکین له ، ولعن الله الناهین عن المنکر والآتین له< .فکتب معاویه (لعنه الله) إلى عثمان: >إنک قد أفسدت الشام على نفسک بأبی ذر< فکتب إلیه عثمان أن >إحمله على قتب بغیر وطاء< هذا وأبو ذر شیخٌ طاعنٌ فی السن وضعیف البدن, فقدم به إلى المدینه وقد ذهب لحم فخذیه ، فلما دخل ابو ذر على عثمان وعنده جماعه قال له عثمان : >بلغنی أنک تقول : سمعت رسول الله| یقول : إذا کملت بنو أمیه ثلاثین رجلاً اتخذوا بلاد الله دولاً، وعباد الله خولاً، ودین الله دغلاً ، فقال : نعم سمعت رسول الله | یقول ذلک . فقال لهم : أسمعتم رسول الله یقول ذلک؟< والجالسون هم من عبده الدراهم والدنانیر, وقد ورد (أهلک الناس من عبد الدرهم والدینار) فشهدوا بعدم صدورها, فبعث عثمان إلى أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب × فأتاه فقال : یا أبا الحسن ! أسمعت رسول الله یقول ما حکاه أبو ذر؟< وقص علیه الخبر, ونحن نعلم بمدى احتیاط الإمام أمیر المؤمنین × فی زمن عثمان؛ فهو × کان یعرف مسلک عثمان والى أین سیؤدی به هذا المسلک ولذا فحینما سألوه قال × : نعم أشهد بأن رسول الله | قال هذا. فقال عثمان : فکیف تشهد ؟ قال لقول رسول الله : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجه أصدق من أبی ذر .< وفهم بعض الحاضرین قصد الإمام × فلم یتمکن عثمان من معاقبه أبی ذر, فلم یقم بالمدینه إلا أیاماً حتى أرسل إلیه عثمان : والله لتخرجن عنها ، قال : أتخرجنی من حرم رسول الله ؟ قال : نعم وأنفک راغم ، قال : فإلى مکه ، قال : لا . قال : فإلى البصره ، قال : لا . قال : فإلى الکوفه ، قال : لا . ولکن إلى الربذه التی خرجت منها حتى تموت فیها . وأمر مروان بإخراجه فأخرجه مروان على جمل ومعه امرأته وابنته فخرج الإمام علی والحسن والحسین ^ وعبد الله بن جعفر وعمار بن یاسر لتودیعه(۱).

فما تحمّل أبو ذر ما تحمّل, وعانى ما عانى من المصائب والعذاب والنفی؛ إنما کان لیقینه بأن هذه الدنیا إنما هی دار اختبار وامتحان, ولعلمه بأن ما عمله إنما کان لوجه الله تعالى وفی سبیل رضاه, والله تعالى سوف لن یضیع أجره؛ لأنه تعالى یقول: { إِنَّ اللَّهَ لَا یُضِیعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِینَ}(۲) .

فیا أحبائی وأعزتی: لقد کان أبو ذر وأمثاله من خُلَّص أصحاب الرسول | وأهل البیت ^ قد تلَّقوا کلام النبی | والأئمه ^ بالیقین والقبول.

عوده الى کلمه الإمام ×

یقول الإمام × >وأعلموا أنه لیس لهذا الجلد الرقیق صبر على النار, فارحموا نفوسکم فإنکم قد جربتموها فی مصائب الدنیا< نسأل الله تعالى أن یرحمنا فی هذا الامتحان العسیر.

تقصیر الناس فی تعلم أحکام الشریعه

فیا أخوتی الأعزاء کما أن السابقین تعرّضوا لاختبارات إلهیه؛ فنحن أیضا کذلک؛ ولذا فإنه یجب على کل واحدٍ منا أن یحاسب نفسه, ویراقب أعماله. ولکننا – ویا للأسف الشدید – مقصّرین فی هذا الجانب, ونترک هذه الأعمال حتى ولو کانت قصیره وقلیله المؤونه, بل إننا لا نُکلّف أنفسنا حتى بتعلم الاحکام الإلهیه . فنحن اذا مات عندنا شخص نحمل جنازته الى النجف الأشرف لیدفن هناک؛ لأن النجف أرض دُفِن فیها أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب ×, وهنیئاً لمن دفن بجواره × فی تلک التربه الطاهره, ولایسعنی فی هذه العجاله أن أتکلم عن فضیله أرض النجف وخصوصیاتها, ولکنی أردت أن أنبّه على تقصیرٍ قد یقع فی مجال الأحکام الشرعیه, وهو إننا نرى أحیاناً خروج قطرات من الدم من أنف المیت أو من فمه, فحینما یُحمل الى أرض النجف وتقطع الجنازه هذه المسافه الطویله یکون کفنه قد تنجس بتلک القطرات من الدم, وحینما یُفتح التبوت وتُخرج الجنازه ویرى أولیائها الدم لایجوز لهم دفن میتهم على هذه الحاله, فلو دفنوه کان دفنه باطلاً فی نظر الشارع المقدس, بل الواجب علیهم هو أن یطهّروا الکفن أولاً, ولو فرضنا أنهم دفنوه على تلک الحاله, أی بلا تطهیر یجب علیهم إخراجه من القبر وتطهیره ثم إعاده دفنه.

فهکذا أمرنا الأئمه^ وهذا هو مذهبنا ما دمنا نعتبر أنفسنا من أتباع هذا المذهب الجعفری فلابد أن نتقید بتعالیمه وإرشاداته, فقد مرّ علینا قبل قلیل نُتفٌ من حیاه أبی ذر الغفاری & ورأینا کم تحمّل هذا الرجل العظیم فی سبیل هذا المذهب, وهذا الخط المقدس؛ ولذا فإن أبا ذر هو الشیعی الحقیقی.

فإذن الحکم الشرعی الذی وصلنا عن أهل البیت ^ فی هذه الحاله هو أن یُطهر المیت بإزاله النجاسه من بدنه أو کفنه – إن أمکن ذلک, وإلا فیُقَص من الکفن المقدار المتنجس منه؛ بشرط أن لا یُخل ذلک بشرائط الکفن, وإلا فیجب تبدیل الکفن فی هذه الصوره.

حادثه یرویها سماحه المرجع (قدس سره)

وهنا سأروی لکم حادثه رأیتها بنفسی وهی أننی کنت فی أحد الأیام فی وادی السلام بالنجف الأشرف, فجاء جماعه یحملون میتاً لدفنه, ولما فتحوا التابوت وجدوا أن رأس المیت قد أصیب بجروح سببّت خروج بعض الدم منه, فتحیروا ولم یعرفوا الحکم الشرعی؛ فذهبوا إلى بعض رجال الدین فی النجف الأشرف یستفتونه فی حکم هذه المسأله فأجابهم ذلک العالم بأن الحکم هو وجوب التطهیر قبل الدفن.

مسؤولیتنا تجاه موتانا

فانتبهوا جیداً أیها الأخوه: لا ینبغی التقصیر فی شأن هذه الأحکام الشرعیه, وخصوصاً فیما یتعلق بالدفن؛ فالمیت سیُسائلکم یوم القیامه إذا دفنتموه بکفن متنجس, وسیقول لکم: ألم تعلموا بأننی شیعی جعفری أوالی أمیر المؤمنین علیاً × وأهل بیته الکرام ^ ؟. ولکننا مع الأسف نُهمل أحکامنا الشرعیه, ولانکلّف أنفسنا حتى بأداء أبسط الأعمال وأهونها لأجل رفعه هذا المذهب الشریف, بعکس أولئک الذین بذلوا الغالی والنفیس من أجل رفع رایه التشیع, وما أشد الفرق بیننا وبینهم! وهذا واضح لمن یطلّع على أعمالنا وعلى تقصیرنا فی شؤوون دیننا؛ وخصوصاً تلک المسائل التی تتعلق بالطهاره على وجه الخصوص,

ضروره الإلتزام بأحکام الشریعه المقدسه

فقد أشرنا فی المحاضره السابقه الى الطریقه الشرعیه الصحیحه لتطهیر الملابس المتنجسه بالصابون فإذا أردت تطهیرها من الصابون یجب أولاً غسل الطشت لإزاله المیاه المتبقیه فیه, ثم أن تغسل هذا الطشت بالماء القلیل وتصب علیه ماءاً طاهراً, ثم تضع فیه الملابس وتغسلها فیه لتصبح طاهره یمکنک لبسها والصلاه فیها.

فیا أحبائی: الرسائل العملیه متوفره؛ فارجعوا إلیها واعرفوا آراء المراجع الکرام الذین ترجعون الیهم فی مسائل دینکم؛ کی تعرفوا أحکام الدین الحنیف والمذهب الشریف. هکذا أمرنا الأئمه المیامین ^ کما تنص على ذلک الروایات الشریفه, وهذا بحدّ ذاته اختبار لنا کالاختبار الذی مرّ به أبو ذر الغفاری & ولکنه اختباره وامتحانه کان متناسباً مع منزلته, فکان لابد له من جوب الصحاری والفیافی لیوصل التشیع الى تلک النقاط البعیده. وأما اختبارنا فهو أن نمتثل ونلتزم بالأحکام التی وصلتنا عن أهل بیت العصمه والطهاره ^.

ورد فی بعض الأخبار أن رجلاً جاء الى الامام الصادق × وقال له: یا ابن رسول الله | أجنبت وعندی ماء قلیل, فهل یمکننی أن اضع یدی فیه لأغتسل؟ فأجابه الإمام ×: إذا کانت على یدک عین النجاسه فلا یجوز لک إدخال یدک فی ذلک الماء.

فاستفاد الفقهاء من هذه الروایه أنه لو وقعت عین النجاسه فی ماء قلیل تنجس ذلک الماء فلا یکون مطهراً, وبناءا على ذلک لا یجوز أن تصب الماء أولاً فی الطشت ثم تخرج منه الملابس المتنجسه؛ فإنها سوف لن تطهر فی هذه الحاله, بل یجب تطهیرها بالطریقه التی وردت عن أهل البیت ^ وعندها تجوز لک الصلاه فی ذلک اللباس.

ولو صعبت علیک هذه الطریقه فیمکنک أن تأخذ أنت الملابس المتنجسه بیدک بینما یصب الماء شخص آخر وأنت تغسل, ففی هذه الحاله أیضاً تطهر الملابس؛ لأن الماء صُب علیها ولیس العکس. فالوارد هو هکذا: >صب علیه الماء< فلماذا لا نتعلم هذه الأحکام ونعمل بها ألیست شریعتنا شریعه سهله سمحاء؟! ولماذا یصلی أحدنا لمده طویله وهو غیر ملتفت لهذه الأحکام فتذهب صلاته هدراً بلا أجر ولا ثواب؟!

أسأل الله تعالى أن یوّفقنا وإیاکم أیها الأعزاء, خصوصاً وإننا فی آخر أیام عاشوراء؛ فاستفیدوا من هذه الأیام وتعلّموا أحکام الدین والمذهب, فهذا امتحان لکم, ولنشکر الله تعالى اذا لم یکن امتحاننا کامتحان اولئک الذین امتحنوا بعد رحیل الرسول الأکرم | فهم (رضوان الله تعالى علیهم) بذلوا أموالهم وترکوا عشیرتهم وضحّوا بأولادهم فداءاً للدین, کما ذکرت لکم فی قصه أبی ذر الغفاری &. وامتحاننا نحن فی هذا الزمان أقل بکثیر من ذل الامتحان العسیر, فقارنوا بأنفسکم وانصفوا فی الحکم, واعملوا بما یقتضیه الوجدان.

کلمه إلى طلبه العلم الحدیث

وأوّجه خطابی إلى طلبه العلم الحدیث فأقول لهم: إن العلم الذی درستموه من طب أو هندسه أو غیرها هو علم غیر علم الشریعه, فکون أحدکم طبیباً لا یعنی أنه یختلف عن بقیه العوام من الناس بالنسبه الى أحکام الدین, فلماذا هذا التهرب من الدین والتنکّر للشریعه المقدسه؟! طلب العلم فریضه, وأنتم من طلبه العلم؛ وهذه بحد ذاتها نعمه إلهیه, راجعوا الکتب المتخصصه بشرح المسائل الفقهیه, وإذا صعب علیکم فهم بعضها فاسألوا المتخصصین.

ضروره السؤال عن الأحکام الشرعیه

هناک الکثیر من الناس ممن یزور النجف الأشرف لیدفن میته هناک بجوار إمام الموحدین أمیر المؤمنین ×, وبعد الدفن یذهب الى الحرم الطاهر فیصلی رکعتین ثم ینصرف, بینما الأحرى به أن یزور مقلده, ویسأله عن أحکام الدین التی یحتاجها فی حیاته الیومیه, وهذا أمر حبّذ علیه الأئمه الطاهرون ^ وقد قال الباری جل وعلا: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّکْرِ إِنْ کُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(۱) فاستفیدوا من هذه الفُرص, وبهذا أقیمت الحجه علیکم أمام الله سبحانه وتعالى.

بقیه مما جرى على أبی ذر (رض)

إذن نعود الى قصه أبی ذر الغفاری (رضوان الله علیه) فقد أخذ ابنته الوحیده وخرجا من المدینه؛ لأنه رأى أن فی خروجه منها صلاح دینه ومذهبه؛ فخرج حتى وصل مکاناً یقال له: (أبض) وکان محلاً للنزول, فنزل أبو ذر وابنته واستقرا فیه. وفی ذات یوم قال أبو ذر لابنته :> بُنیّه: أدرکنی الموت وحان أجلی وأنا راحل عن قریب< فبکت ابنته وقالت : یا أبه کیف أصنع بک وأنا وحیده ؟ فقال : یا ابنتی لا تخافی فإنی إذا مت جاءک من أهل العراق من یکفیک أمری, فإنی أخبرنی حبیبی رسول الله | فی غزوه تبوک فقال لی : > یا با ذر تعیش وحدک ، وتموت وحدک ، وتبعث وحدک ، وتدخل الجنه وحدک ، یسعد بک أقوام من أهل العراق یتولون غسلک وتجهیزک ودفنک < فإذا أنا مت فمدّی الکساء على وجهی ، ثم اقعدی على طریق العراق ، فإذا أقبل رکب فقومی إلیهم وقولی : هذا أبو ذر صاحب رسول الله | قد توفی,(۱) فلما توفی (رضوان الله تعالى علیه) عملت ابنته بالوصیه وجاءت بعض القوافل الرحاله فدفنوه. وهذه هی حال الدنیا مع الصالحین.

تعریج على الطف

ولکن ماذا حصل فی کربلاء؟ لقد وقع الوالد على الولد. أتدرون من هو؟ انه الامام الحسین × وقع على جسد ابنه علی الأکبر وهو على الأرض. وکان علی الأکبر شدید الشَبه بجده رسول الله |, وقد قیل: إن الله أعطى شطر الحُسن لیوسف واعطى الحُسن کله لمحمد |(۱), وقد جمع الله تعالى جمیع صفات الکمال والجمال فی شخص النبی الأعظم محمد |, وکان علی الأکبر × أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً برسول الله | کما قال والده الحسین ×(۲) حینما برز علی الأکبر × الى المعرکه حیث قال الإمام ×: >اللهم اشهد إنه برز الى هؤلاء القوم غلام؛ أشبه الناس بنبیک خلقاً وخُلقاً ومنطقاً, وکنا إذا اشتقنا الى وجه رسولک نظرنا إلى وجه الغلام< وعلی الأکبر × هو أول من نزل الى المعرکه, ولکن لماذا أختاره الحسین × لیبرز قبل الجمیع, المسأله فیها أخذ ورد. وعلی الأکبر × أول شهید من أهل بیت الحسین × وهذا القول أصح الأقوال.

مصیبه علی الأکبر ×

وخرج علی الأکبر وکان الحسین × یراقبه وهو یقاتل قتال الأبطال فی ساحه الحرب, وکانت أمه لیلى تنظر الى وجه الحسین × من خلف الخیمه. لماذا کانت تراقب وجه الحسین × ؟ لأنها تعرف مدى الحب الذی یُکنّه الامام الحسین × لولده علی الأکبر × فتعرف من تغیّر وجه الحسین × ما یحدث لولدها فی المعرکه, وفجأه تغیّر وجه الحسین× ففزعت لیلى وسألت الامام ×: هل حدث لولدی شئ؟ فقال ×: >لا یا لیلى ولکن خرج الیه مَن یُخاف منه علیه, ردّی لخیمتک وادعی لولدک فإنی سمعت جدی رسول الله | یقول: >دعاء الأم مستجابٌ فی حق ولدها<. فادعی لولدک لأنه محتاج الى دعائک. فدخلت لیلى الى خیمتها وأخذت خمارها ونادت: > یا رادّ یوسف على یعقوب أردد علیّ ولدی< واستجاب الله دعاءها, ورجع علی الأکبر×, ولکن رجوعه هذا أحرق قلب الحسین × ؛ إذ أن علی الأکبر أنهکه العطش ولم یُخفِ ذلک عن أبیه × فقال: > أبه, إن العطش قد قتلنی, وثقل الحدید قد أجهدنی, فهل لی من شربه ماء؟< فتألم الحسین ×.

تصوروا أیها الأخوه, أبنٌ یحارب الأعداء فی ساحه المعرکه ویرجع الى أبیه ویطلب منه شربه ماء فلا یستطیع الأب أن یلبی طلبه, ما أصعب هذا الموقف! فقال له الحسین × : > یعزّ على أبیک أن تطلب منه الماء فلا یجد, إرجع الى ساحه الحرب, وسیسقیک جدک | شربه ماء لا تظمأ بعدها أبداً< .

أخوتی لو سألنا الله یوم القیامه : ما هو الزاد الذی تزودتم به لیومکم هذا؟ سنجیبه: لیس لنا إلا علی و الحسین وأهل البیت ^ ولا نملک أعمالاً صالحه إلا حب الحسین, فیا أبا عبد الله أقسم علیک بعطش ولدک لا تترکنا ونحن فی القبر, ولا تُعرض عنا یوم نحشر إلى الله, فما ندری ماذا نصنع لو ترکتنا؟

ورجع علی الأکبر الى ساحه المعرکه تاره أخرى, وقاتَل قتال الأبطال وقتل من القوم مقتله عظیمه, ولکن العطش أنهکه, وأصیب بجروحٍ کثیره أضعفته؛ فما کان یتمکن من الجلوس على سرج الجواد, فنادى أباه الحسین×: > أدرکنی یا أبتاه< فخف الیه الحسین × حتى وصل إلیه, ولکن بأیّ حاله وجد ولده؟ فصاح الحسین × : > قتل الله قوماً قتلوک, ما أجرأهم على الله ورسوله؟… بنی على الدنیا بعدک العفا<(1) فقال علی الأکبر للحسین ×: > أبه: هذا جدی رسول الله | قد سقانی شربه من الماء, وهو یدخر لک شربه أخرى<.ألا لعنه الله على القوم الظالمین.

مصادر التحقیق

- القرآن الکریم, کلام الله سبحانه وتعالى.

- نهج البلاغه, کلام مولانا أمیر المؤمنین ×, بشرح محمد عبده (ت ۱۹۰۵ م ), دار الذخائر, إیران – قم المقدسه, ۱۴۱۲ هـ .

- صحیح البخاری, محمد بن اسماعیل البخاری (ت ۲۵۶ هـ), دار الفکر للطباعه والنشر, بیروت – لبنان, سنه ۱۹۸۱ م.

- بحار الأنوار, العلامه محمد باقر المجلسی (ت ۱۱۱۱ هـ ) مؤسسه الوفاء, بیروت – لبنان, الطبعه الثانیه سنه ۱۹۸۳ م.

- کشاف القناع, الشیخ منصور البهوتی الحنبلی ( ت ۱۰۵۱ هـ ), دار الکتب العلمیه, بیروت – لبنان, ۱۹۹۷ م .

- اللهوف فی قتلى الطفوف, السید ابن طاووس ( ت ۶۶۴ هـ ), منشورات أنوار الهدى, قم المقدسه – أیران, ۱۴۱۷ هـ .

.