نويسنده: admin    بخش: فی محضر الأستاذ    تاريخ: ۱۰ بهمن ۱۳۹۰       

mhzar-olama

وحاصله أنّ فی المقام مسائل ثلاث:
الأُولى: ما إذا کان توافقهما على خصوص المنفعة المحرّمة.
الثانیة: ما إذا کان الملحوظ کلتا المنفعتین المحلّلة والمحرّمة کما هو الحال فی بذل الثمن للجاریة المغنیة.
الثالثة: ما إذا کانت المنفعة المحرّمة واستعمال الشیء فی الحرام داعیاً لهما إلى المعاملة، کما إذا اشترى العنب وکان قصدهما تخمیره، ولکن بلا التزام منهما خارجاً أو اشتراطه فی المعاملة.
ثمّ إنّه لا إشکال فی فساد المعاملة وحرمتها فی الأُولى، حیث أنّ المعاملة مع الالتزام والإلزام بالمنفعة المحرّمة تکون إعانة على الإثم، وأخذ العوض أکلاً له بالباطل، سواء ذکرا هذا الإلزام والالتزام فی العقد بعنوان الشرط أم لا.
أقول: إثبات الحرمة للمعاملة المزبورة تکلیفاً ووضعاً موقوف على حرمة مجرّد الإعانة على الاثم، وکون أکل الثمن فیها أکلاً له بالباطل، ولکن المحرّم هو التعاون على المعصیة والعدوان، بأن یجتمع اثنان أو أکثر على تحقیق الحرام وإیجاده، وصدور الحرام عن شخص وتحقیق مقدّمة من مقدّماته من شخص آخر المعبّر عن تحقیق المقدّمة بالإعانة على الاثم لا یکون من التعاون على ذلک الحرام، ولو کان مجرّد الإعانة على الاثم محرّماً، لکان بیع العنب ممن یعمله خمراً حراماً تکلیفاً، حتّى مع عدم اشتراط التخمیر وعدم قصد البایع ذلک، وکذا لا یمکن الالتزام بالفساد، فإنّ الثمن فی المعاملة لا یقع بإزاء الشرط أو المنفعة، بل إنّما یقع بإزاء نفس المبیع، وبما أنّ للمبیع منفعة محلّلة ومالیة شرعاً یکون الحکم بالفساد مع اشتراط المنفعة المحرّمة مبنیاً على کون الشرط الفاسد مفسداً للعقد، هذا کلّه بالإضافة إلى البیع.
وأمّا بالإضافة إلى الاجارة فإن کان الشرط راجعاً إلى تضییق مورد الاجارة وتقییدها بالمنفعة المحرّمة تکون باطلة باعتبار أنّ أخذ الاجرة بإزاء تلک المنفعة من أکل المال بالباطل، وهذا بخلاف ما إذا رجع الشرط إلى التزام زائد على أصل الاجارة بحیث یکون التخلّف من المستأجر فی مثل الشرط موجباً لثبوت خیار الفسخ للموجر لا المطالبة بأُجرة المثل عمّا أتلفها علیه من المنفعة، فإنّ مع عدم تقیید مورد الاجارة تکون بطلانها باشتراط الحرام مبتنیاً على مسألة فساد العقد بفساد الشرط، نعم فی روایة جابر (صابر) قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن الرجل یؤاجر بیتاً فیباع فیه الخمر قال: حرام أجره»، ولکنّها لو حملت على صورة تقیید المنفعة فهو، وإلا فلا یمکن الاعتماد علیها لضعفها سنداً ومعارضتها بحسنة ابن أُذینة، قال: «کتبت إلى أبی عبداللّه (ع) أسأله عن رجل یؤاجر سفینته ودابّته ممن یحمل فیها أو علیها الخمر، والخنازیر، قال: لا بأس»
هذا، مع أنّ الروایتین غیر ناظرتین إلى صورة الاشتراط، وما ذکره «ره» ـ فی الجمع بین الروایتین من حمل الثانیة على صورة اتفاق حمل الخمر أو الخنزیر من غیر أن یؤخذ رکناً أو شرطاً فی العقد ـ لا یمکن المساعدة علیه، فإنّ کون الحرمة متیقّنة ـ من روایة بالإضافة إلى أمر والجواز من روایة أُخرى بالإضافة إلى أمر آخر ـ لا یوجب کون کلّ منهما قرینة عرفیة على التصرّف فی الأُخرى، کما تقدّم ذلک فی علاج المعارضة بین ما ورد من أنّ ثمن العذرة سحت، وما ورد من عدم البأس به ولعلّه إلى ذلک أشار «ره» فی آخر کلامه بقوله «فتأمّل».
والحاصل أنّه لو تمّ الحکم بالبطلان فی المسألة الثالثة الآتیة ثبت فی هذه المسألة أیضاً بالفحوى، والا فلا موجب للالتزام فی المسألة بالفساد، بل ولا لحرمة المعاملة تکلیفاً، نعم شراء المشتری العنب للتخمیر داخل فی التجری، وإلزام البایع داخل فی ترغیب الناس للحرام، وهذا لا یوجب حرمة نفس المعاملة کما لا یخفى.
نعم، لا بأس بالالتزام بالحرمة تکلیفاً فی بیع العنب حتّى فیما إذا کان التخمیر مما التزم به المتعاقدان خارجاً بلا اشتراطه فی البیع بفحوى اللعن الوارد على غارس الخمر، ولکن الحرمة لا تقتضی فساده کما هو المقرّر فی محلّه. وربّما یقال فی وجه بطلان المعاملة ـ فی مثل بیع العنب بشرط أن یصنعه خمراً ـ أنّ هذا الشرط ینافی مقتضى العقد، ووجه منافاته له أنّه کما أنّ بیع الشیء مع اشتراط عدم الانتفاع به أصلاً مساوق لاشتراط عدم ملک المبیع للمشتری وعدم کونه مالاً له، کذلک اشتراط عدم الانتفاع به انتفاعاً حلالاً، حیث أنّ هذا الشرط مع انضمام منع الشارع عن التخمیر مثلاً إسقاط للعنب عن کونه ملکاً ومالاً للمشتری من جهة التخمیر ومن جهة سائر المنافع، فلا یتمّ البیع الذی حقیقته جعل المبیع ملکاً ومالاً للمشتری بإزاء الثمن، وهذا الفساد لا یرتبط بالقول بکون الشرط الفاسد مفسداً، فإنّ تلک المسألة فیما إذا لم یکن الشرط موجباً لفقد شرط أو رکن من أصل المعاملة، وإلا کان أصل العقد باطلاً حتّى مع الالتزام فیها بعدم الإفساد.
أقول: الموجب لبطلان الشرط بل بطلان المعاملة معه فیما إذا کان الشرط منافیاً لمقتضى العقد هو عدم قصد إنشاء المعاملة مع الشرط المزبور، مثلاً فی قول البایع بعتک هذه العین بکذا بشرط أن لا تدخل فی ملکک کان الشرط باطلاً ومبطلاً للبیع، لرجوعه إلى عدم قصده تملیکها للمشتری، مع أنّ البیع هو تملیک العین بعوض، وأمّا إذا کان الشرط ملائماً لجعل الملک واعتبار دخول المبیع فی ملک المشتری، کما إذا قال بعتک هذا المال على أن یخرج عن ملکک، فیدخل فی مسألة کون الشرط الفاسد مفسداً أم لا. وهذا فی المورد الذییکون الخروج عن الملک محتاجاً إلى سبب، وإلا فلا بأس بالشرط فی مثل بیع العبد من ابنه الحرّ بشرط خروجه عن ملکه، واشتراط عدم الانتفاع بالمبیع أصلاً لا یلازم عدم دخول العین فی ملک المشتری، بل یصحّ البیع والشرط معاً فیما إذا کان فی الاشتراط غرض عقلائی، کما إذا باعه قطعة من الذهب واشترط أن لا ینتفع بها أصلاً، وکان غرضه بقاؤها حتّى تصل إلى ورثة المشتری. وأمّا إذا لم یکن فیه غرض عقلائی کان الشرط باطلاً، کما إذا باع العنب واشترط عدم الانتفاع به أصلاً، حیث أنّ الشرط ـ لکونه سفهائیاً والعمل به تبذیراً للمال ـ باطل، ولکن لا ینافی هذا الاشتراط قصد دخول العنب فی ملک المشتری.
لا یقال: العنب مع الشرط المزبور لا یکون مالاً، فیکون أکل الثمن بإزائه من أکل المال بالباطل.
فإنّه یقال: إنّما لا یکون العنب مالاً فیما إذا کان الشرط نافذاً، وأمّا مع إلغائه کما هو مقتضى کون الشرط سفهائیاً، فلا یدخل تملّک الثمن بإزاء العنب فی العنوان المزبور.
والحاصل: انّ اعتبار الملک للمشتری لا ینافی اشتراط عدم انتفاعه بالمبیع، بل الشرط المزبور ینافی کونه مالاً مع نفوذه ولزومه، والمفروض أنّه غیر لازم وغیر نافذ حتّى فی اعتبار العقلاء، فیکون المبیع ملکاً ومالاً للمشتری، کما هو مقتضى اطلاق دلیل حل البیع، وهذا فیما إذا اشترط فی البیع عدم الانتفاع بالمبیع أصلاً بأیّ انتفاع، وأمّا إذا کان الشرط عدم الانتفاع المحلّل أو الانتفاع به بالمحرّم فلا ینافی الشرط الملک، ولا کون المبیع مالاً، وذلک فإنّ اعتبار شیء ملکاً للمشتری ومالاً له فی اعتبار المتعاقدین لا یتوقّف على ثبوت المنفعة المحلّلة له، ولذا یتعاملون فیما بینهم على الخمر وغیرها مما لا منفعة محلّلة له. وعلى ذلک فبیع العنب مع اشتراط تخمیره بیع فی اعتبار العقلاء، وبما أنّ دلیل إمضاء الشروط لا یعمّ اشتراط تخمیره فالشرط المزبور ملغى، وبعد إلغائه لا مانع من شمول «أحلّ اللّهُ البیعَ» لبیع العنب واعتبار کونه ملکاً ومالاً للمشتری، لأنّ المفروض أنّ العنب مال حتّى شرعاً لثبوت المنفعة المحلّلة له، ولو کانت تلک المنفعة ملغاة عند المتعاقدین باشتراط التخمیر.
وذکر السید الخوئی طال بقاؤه أنّ المعاملة مع اشتراط المنفعة المحرّمة وإن کانت صحیحة، إلا أنّها محرّمة تکلیفاً، وذکر فی وجه ذلک أنّ إلزام الغیر بالمحرّم ـ کإکراهه علیه ـ حرام، فالمعاملة المشتملة على الشرط الحرام بما أنّها إلزام للغیر بالمحرم تکون محرّمة. ولکن حرمتها بهذا العنوان کحرمتها بسائر العناوین الطارئة علیها لا تکون موجبة لفسادها.
ولا یخفى ما فیه فإنّ الشرط فی مثل التخمیر من الأعمال لیس بنفسه إلزاماً للغیر، بل هو التزام على نفسه للغیر، وإذا تمّ هذا الالتزام یکون للغیر حقّ إلزامه، فیکون الإلزام من آثار صحّة الشرط لا نفس الشرط الذی لا حرمة فیه إلا وضعاً. نعم هو قسم من التجرّی، والحاصل أنّ الإلزام فی شرط الأعمال فعل للمشروط له وخارج عن أصل المعاملة وشرطها، وأثر لتمام الشرط فیها، فلا یترتب فیما إذا لم یتمّ الشرط، کما إذا کان المشروط عملاً محرّماً.
دفع ما یمکن أن یقال من أنّه قد ورد المنع فی روایة جابر المتقدّمة عن إیجار البیت لیباع فیه الخمر، وقد حمل «ره» تلک الروایة على صورة الاشتراط بأن یشترط فی إیجارها استیفاء منفعة البیت ببیع الخمر فیها، أو أن یجعل تلک المنفعة رکناً، بأن یکون متعلق التملیک فی الاجارة خصوص قابلیة البیت لبیع الخمر فیه ولا یرضى «ره» أن یحمل على الاشتراط ما ورد فی بیع الخشب ممن یصنعه صنما[ً أو صلیباً، فما الفرق بینهما؟ وأجاب بالفرق بینهما وأنّ الاشتراط فی مثل بیع الخشب بعید عن المسلم، بخلاف اجارة البیت لبیع الخمر أو إحرازها فیه، بأن یجعل بیعها فیه أو إحرازها رکناً فی عقد الاجارة أو شرطاً فیه، فإنّ صدور هذا النحو من الایجار من المسلم غیر بعید، کما إذا کانت الاجرة فی مقابل تلک المنفعة زائدة على أُجرة سائر منافعها، وبما أنّ السائل یحتمل حرمة هذا الإیجار وفساده فسأل الإمام (ع) عن حکمه.

بیان وجه بطلان المعاملة رأساً فی مورد اشتراط صرف المبیع فی الحرام، مع أنّ المفروض أنّ للمبیع منفعة محلّلة مقصودة. وحاصل الوجه أنّه قد تقدّم فی بیع آلات القمار ونحوها بطلان المعاملة رأساً وعدم انحلالها إلى المعاملة على الهیئة والمعاملة على المادّة، حتّى تبطل الأُولى وتصحّ الثانیة، مع أنّ کلاً من الهیئة والمادة جزء الشیء، وانحلال المعاملة على الکلّ إلى المعاملة على الأجزاء أولى مما نحن فیه، مما تکون المعاملة جاریة على الشرط والمشروط. والمراد بالشرط المنفعة المحرّمة وبالمشروط نفس الشیء.
وبعبارة أُخرى لا یکون مع بذل الثمن على الشیء بلحاظ منفعته المحرّمة انحلال فی المعاملة لتبطل بالاضافة إلى الشرط، وتصح بالاضافة إلى أصل المشروط.
أقول: هذا الکلام باطل ، والسرّ فی ذلک أنّ الثمن فی البیع لا یقع بإزاء الشرط أو المنفعة من غیر فرق بین المحلّل منهما أو المحرّم، ولذا لا یثبت مع تخلّف الشرط أو المنفعة إلا الخیار لا تبعیض الثمن. وعلى ذلک ففی مورد بطلان الشرط الذی فی نفسه التزام آخر غیر أصل البیع لا موجب لبطلان نفس البیع، وهذا بخلاف صورة کون الهیئة مما لا یتموّل شرعاً، کآلات القمار، فإنّه لا یمکن فیها تصحیح البیع بالإضافة إلى المادّة بعد بطلانه بالإضافة إلى الهیئة، لما تقدّم من أنّ الثمن فی بیعها یقع بإزاء الهیئة والمادة بما هما شیء واحد، فلا یصحّ البیع بالإضافة إلى أحدهما بعد بطلانه بالإضافة إلى الآخر، فلاحظ وتدبّر.

[۲] حاصل أنّه إذا کانت فی العین صفة یقصد منها الحرام ککون الجاریة مغنّیة والعبد ماهراً فی القمار أو السرقة فللبیع صور ثلاث:
الأُولى: ما إذا جرت المعاملة على تلک العین ولوحظ فیها الوصف المزبور بأن زید الثمن باعتباره، ویجعل ذلک الوصف شرطاً فی تلک المعاملة، ففی هذه الصورة یحکم ببطلانها باعتبار أنّ تقسیط الثمن على الوصف غیر متعارف، وإنّما یکون الوصف داعیاً إلى زیادة الثمن، فیکون أخذ ذلک الثمن بإزاء تلک العین المشروط فیها الوصف المزبور من تملّکه بالباطل.
الثانیة: ما إذا اشترى الجاریة المغنّیة بما هی جاریة، أی لم یشترط فی بیعها کونها مغنّیة، بحیث لو فرض عدم ثبوت الوصف فیها واقعاً لم یثبت فی اعتبار المتعاملین للمشتری خیار تخلّف الوصف، ففی هذه الصورة یصحّ البیع حتّى فیما إذا کان الوصف داعیاً إلى شرائها، بل وبذل ثمن زائد علیها، حیث أنّ مع عدم اشتراط وصف کونها مغنّیة لا یکون أخذ الثمن بإزائها من أکله بالباطل.
الثالثة: ما إذا جعل کونها مغنّیة شرطاً فی المعاملة وزید ثمنها باعتبار الوصف، إلا أنّه لم یقصدا الحرام من ذلک الوصف بل جعلاه شرطاً باعتبار أنّه وصف کمال قد یصرف فی المحلل، بأن یکون منشأ للحلال، کالغناء فی الأعراس، ففی هذه الصورة مع کون المنفعة المحلّلة المترتبة على الوصف مقصودة للعقلاء ولم تکن نادرة فلا بأس بالبیع المزبور.
وأمّا إذا کانت نادرة فهل یکون الوصف المشروط المترتب علیه المنفعة الغالبة المحرّمة مع المنفعة النادرة المحلّلة على الفرض، کالعین التی لها منفعة غالبة محرّمة ومنفعة نادرة محلّلة، بأن لا یجوز البیع بمجرّد تلک المنفعة النادرة أو أنّه لا بأس باشتراط الوصف المزبور، ولا یقاس الوصف بالعین؟ ذکر «ره» أنّ الأقوى عدم الإلحاق والحکم بصحّة بیع الجاریة المغنّیة مع شرط کونها مغنّیة بلحاظ أنّها صفة کمال تصرف فی الحلال ولو نادراً. وما ورد من أنّ ثمن الجاریة المغنیة سحت منصرف إلى الغالب، یعنی إلى البیع فی الصورة الأُولى، ووجه القوّة أنّ الجاریة لها منفعة مقصودة محلّلة کالاستمتاع بها واشتراط کونها مغنّیة إنّما توجب کون المأخوذ فی مقابلها أکلاً للمال بالباطل، فیما إذا کان المقصود من الصفة هو الحرام ومع عدم قصد الحرام لا توجب ذلک، وهذا بخلاف ما إذا لم یکن فی العین إلا المنفعة المحلّلة النادرة غیر الملحوظة عند العقلاء، حیث یکون أکل الثمن بإزائها من أکله بالباطل.
أقول: إذا لم یکن الوصف من الأوصاف المقوّمة للمبیع یکون الثمن فی المعاملة بإزاء نفس العین، حتّى فی صورة اشتراطه فی المعاملة، ولیس شرط الوصف قیداً للمبیع، بل کما هو المقرر فی محلّه التزام آخر غیر أصل المعاملة، وحقیقة اشتراط الوصف هو جعل المشتری الخیار لنفسه فی صورة تخلّف ذلک الوصف، ولو فرض بطلان هذا الجعل، فلا بأس بشمول «أحلّ اللّهُ البیعَ» لأصل المبادلة، وکیف یکون أخذ الثمن بإزاء الجاریة من أکله بالباطل، مع أنّ الجاریة ـ المفروض وقوع تمام الثمن بإزائها فی نفسها ـ من الأموال.
والحاصل أنّ الحکم بالبطلان فی المقام على خلاف القاعدة وللنص الوارد فی أنّ ثمن الجاریة سحت. والنصّ المزبور یعمّ الصورة الثالثة أیضاً. ودعوى انصرافه إلى الصورة الأُولى فقط بلا وجه. نعم لا یعمّ الصورة الثانیة لظهوره فی بیع الجاریة المغنّیة بما هی مغنّیة، وفی تلک الصورة یکون بیعها بما هی جاریة کما لا یخفى. وعلى ذلک، فإن أمکن الاطمئنان بعدم الفرق فی الحکم بین بیع الجاریة المغنّیة وبین مثل بیع العبد الماهر فی القمار یتعدّى عن مورد النصّ وإلا فیقتصر على مورده.

إذا باع مثلاً العنب ممن یعمله خمراً ویکون داعیه إلى بیعه منه تخمیره، ونفى فی هذه الصورة الإشکال والخلاف فی حرمة البیع، وظاهر الحرمة عند إضافتها إلى البیع، وإن کان هو الفساد، إلا أنّ تعلیلها بکون البیع إعانة على الإثم قرینة على کون المراد هو التکلیف. ثمّ تعرّض لما باع العنب مثلاً ممن یعمله خمراً من غیر أن یکون داعیه إلى بیعه منه تخمیره، بحیث یبیعه منه حتّى لو لم یعمله خمراً، وذکر أنّ الأکثر فی هذا الفرض على الجواز لبعض الأخبار، کصحیحة عمر بن أُذینة، قال: «کتبت إلى أبی عبداللّه (ع) أسأله عن رجل له کرم، أیبیع العنب والتمر ممن یعلم أنّه یجعله خمراً أو سکراً؟ فقال: إنّما باعه حلالاً فی الابان الذی یحلّ شربه أو أکله فلا بأس ببیعه»وروایة أبی کهمس، قال: «سأل رجل أبا عبداللّه (ع) عن العصیر فقال: لی کرم وأنا أعصره کلّ سنة وأجعله فی الدنان ـ إلى أن قال (ع) ـ هو ذا نحن نبیع تمرنا ممن نعلم أنّه یصنعه خمراً» ونحوهما غیرهما، وفی مقابلهما صحیحة ابن أُذینة ومعتبرة عمرو بن حریث، وفی الأُولى: «کتبت إلى أبی عبداللّه (ع) عن رجل له خشب، فباعه ممن یتخذه صلباناً قال: لا»، وفی ثانیهما، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن التوت أبیعه ممن یصنع الصلیب والصنم؟ قال: لا»، وعن بعض الجمع بین الطائفتین بحمل الناهیة على صورة اشتراط المنفعة المحرّمة على المشتری والمجوّزة على غیر صورة الاشتراط. وأورد «ره» على ذلک بأنّه بعید، فإنّه لا یکون للمسلم داع فیما إذا باع شیئاً إلى أن یشترط على مشتریه استعماله فی الحرام ثمّ یسأل الإمام (ع) عن ذلک، فلا یمکن حمل صحیحة ابن أُذینة ونحوها على ذلک، وذکر «ره» وجهین آخرین فی الجمع بینهما:
الأوّل: حمل الناهیة على الکراهة بشهادة صحیحة الحلبی عن أبی عبداللّه (ع) أنّه «سُئل عن بیع العصیر ممن یصنعه خمراً، فقال: بیعه ممن یطبخه أو یصنعه خلاً أحبُّ إلیّ، ولا أرى بالأوّل بأساً» حیث أنّ التعبیر عن ترک البیع بالأحبّ ونفی البأس بعده قرینة على الکراهة.
والثانی: الالتزام بالمنع والتحریم فی بیع الخشب ممن یصنعه صلیباً أو صنماً، کما هو مفاد الطائفة الثانیة وبالجواز فی غیرهما، وقال: إنّ هذا الجمع قول فصل لو لم یکن قولاً بالفصل، یعنی تفصیل فی المسألة لو لم یکن خرقاً للإجماع المرکّب.
أقول: المتعیّن هذا الوجه وحمل الجواز على کونه بنحو الکراهة غیر ممکن، وذلک فإنّه قد ورد فی صحیحة رفاعة قوله (ع): «ألسنا نبیع تمرنا ممن یجعله شراباً خبیثاً» حیث لا یمکن الالتزام باستمراره (ع) على ارتکاب المکروه، بل لا یمکن ذلک حتى فی صحیحة عمر بن أُذینة فإنّه ذکر (ع) فیها جواز بیع الخشب ممن یصنعه برابط ثمّ منع عن بیعه ممن یعمله صنماً أو صلیباً.
والحاصل أنّ المتعیّن هو الوجه الأخیر، یعنی أنّ بیع الشیء ممن یجعله هیکل عبادة صنماً أو صلیباً لا یجوز تکلیفاً کما مرّ، بخلاف البیع فی غیر ذلک فإنّه جائز بلا کراهة، نعم یستحبّ اختیار المشتری الذی یصرف الشیء فی الحلال کما هو مقتضى التعبیر بصیغة التفضیل فی صحیحة الحلبی المتقدّمة التی جعلها «ره» شاهدة الجمع بین الطائفتین.