نويسنده: admin    بخش: الاخبار, السیرة الذاتیة, الصفحة الأصلیة    تاريخ: ۱۲ فروردین ۱۳۹۵       

161

الفقیهُ التبریزی .. شلالُ الوَلاءِ وَإعصارُ العِدَاء

یا ضلعَ فاطـمَ مَن سیبذلُ نفسَهُ لکَ فـادیاً إنْ قـیلَ لمْ تتکـسرِ

یا آههَ الزهراءِ مَن یحـمی الحِمى إنْ قیـلَ عندَ جدارکِ لمْ تُعـصَرِ

یا طفلَهَا المقتول عصراً فی الحشى مَن ینـبری إنْ قـیلَ لم تتـعفرِ

هَا قد هوى فهـوى لواءُ دفاعهِ فعـلیهِ یا عینَ الـولاءِ تفجری

لستُ هنا بصدد الحدیث التحلیلی عن شخصیه المرجع الدینی الکبیر ، سماحه آیه الله العظمى ، الشیخ التبریزی ( طیب الله تربته ، ورزقنا شفاعته ) فإنَّ ذلک مما أعترف بعجزی وقصوری عنه ، وإنما بصدد تجلیه بعض اللمحات التی لمحتها شخصیاً فی شخصیته المبارکه ، والتی أجد من الضروره تسجیلها وتخلیدها ، إذ لعلَّ غیری قد یفوته ذکرها .

۱ / اللمحهُ الأولى : قوهُ التوکل .

من المراتب العالیه جداً التی لا یصل لها إلا القله من الأولیاء : مرتبه التوکل ، والتی تعنی الاطمئنان التام ، والثقه الکامله بذات الحق سبحانه وتعالى ، المنعکسه عن عمق المعرفه بالله ، وقوه الیقین بجمال أفعاله وصفاته .

إذ لیس یقوى العبد على الوصول إلى شامخ هذه المرتبه ، إلا فیما لو فَوَّضَ کل أموره إلى خالقه المدبر ، مع الاعتقاد الجازم بأنه تعالى لا یصنع بعبده إلا ما فیه صلاحه ، وترى العبد المتوکل فی هذه المرتبه لا یعرف طریقاً إلى الأسباب الظاهریه التی قد توصله إلى مطلوبه ، لأنَّ قلبه قد ارتقى عنها مرتقىً بعیداً ، وصار بحیث لا یعرف سوى ربه سبباً .

وهکذا کان شیخنا التبریزی ( طیب الله تربته ، ورزقنا شفاعته ) فإنه کان فی عظمه توکلهِ أعجوبهً من أعاجیب الزمان ، وإنَّ مواقفه الشریفه لأوضحُ شاهدٍ على ذلک ، وسوف أکتفی بعرض موقفٍ من مواقفه ، فإنَّ فیه الکفایه للدلاله على ما أرید الاستشهاد علیه .

وذلک عندما وقف موقفه التأریخی حول موجه التشکیک فی مصائب السیده الطاهره ، المظلومه الشهیده ( أرواحنا لتراب نعلها الفداء ) فإنه قد توالت علیه حینها الکثیرُ من الرسائل والفاکسات المهدده والمتوعده ، وهذا ما أوجب إثاره مشاعر الخوف والقلق عند ذویه وأصحابه ، فطلبوا منه مرافقته عند خروجه من محل تدریسه – حیث کان لا یرضى بذلک فی سابق الزمان – غیر أنه قد رفض ذلک أشدَّ الرفض ، وقال : إنَّ التی بذلتُ نفسی للدفاع عنها ، هی التی ستتکفل بحفظی .

وهکذا کانَ یخرجُ – کما کنّا نراه – من محل درسه فی المسجد الأعظم ، بجوار حرم کریمه الأئمه ، وسلیله أهل العصمه ( علیها أفضل الصلاه والتحیه ) ویتجه إلى بیته وحیداً ، من غیر أن یرافقه أحد ، مع أنَّ تلک الفتره کانت من أصعب وأشد وأحرج الفترات التی عاشها ( رضوان الله علیه ) ، حیث کان فیها مُعرّضاً للخطر والضرر فی أی لحظه ، ولکنه مع ذلک لم یأبه ولم یعبأ ، وهذا إن کان یکشف عن شیء فهو یکشف عن عمق یقین المعرفه لدیه ، وعظمه ثقته بالله وجنوده ( علیهم السلام ) .

۲ / اللمحهُ الثانیه : الاهتمام بمأساه سید الشهداء ( ع ) .

هُنالکَ ظاهره عجیبه فی مسیره الآیه التبریزی ( قده ) تشد المتأمل إلیها ، وهی انشداده إلى مأساه سید الشهداء الحسین ( علیه السلام ) ، وکان لهذا الانشداد عده مبرزات تجلّت فی مواقفه وأقواله ، وسوف أکتفی بعرض أحدها ، لأنه کفیل بإبراز تلک الحاله الولائیه عنده من ناحیه ، وإزاله الغبار عن بعض المفاهیم والتصورات المشوهه من ناحیه أخرى .

والموقف الذی ألمحتُ إلیه ، هو : أن الشیخ التبریزی ( قده ) کان شدید الاهتمام بخطباء المنبر الحسینی الشریف ، وحریصاً جداً على تقدیرهم وتبجیلهم ، ولم یکن هذا منه ( طیب الله تربته ) إلا لأجل أن الخطباء الکرام ( أعزهم الله تعالى ) هم أصوات الخطب الحسینی ، من خلال إثارتهم وعرضهم لمصائب سید الشهداء الحسین ( ع ) والصفوه الطاهره من أهله وصحبه .

فکان ( قده ) إذا عُرِّفَ لدیه خطیب بأنه من أهل المصیبه والإبکاء ، یبتهج بذلک للغایه ، ویُظهر له تمام التقدیر والاحترام ، وهو بهذا یرید أن یبیّن بأنَّ قیمه المنبر الحسینی تکمن فی مقدار ما یحتویه من إثاره معالم مظلومیه أهل البیت ( علیهم السلام ) وإلهاب الوجدان العاطفی والولائی فی نفوس مَن یجتمعون تحت ظلاله الوارفه .

ففی الوقت الذی تتعالى فیه الصرخات من هنا وهناک بانعدام دور المنبر الحسینی الشریف ، وأنه لا زال یسیر فی رکب التخلف ، وأن خطباء المنبر لا همَّ لهم إلا استدرار الدمعه وإثاره المظلومیه ، نجد أنَّ المرجع الراحل ( قده ) یؤکد على خطأ مثل هذه المفاهیم ، من خلال تعظیمه لخطباء الدمعه الحسینیه والصرخه الفاطمیه ، والإشاده بهم والتنویه بفضلهم .

وهو بهذا یکرس المفاهیم المستقاه من روایات أهل البیت ( علیهم السلام ) ، فإنَّ المتتبع لها یصل إلى أن الغایه المنشوده لهم ( علیهم السلام ) من وراء تأسیس المآتم الحسینیه ، وتشیید المنابر الشریفه ، هی : تأجیج الحاله العاطفیه لأتباعهم ، من خلال عرض مصائبهم ومظلومیتهم ، إذ أنَّ هذا کفیل بمضاعفه عواطف الولاء لهم ( ع ) من ناحیه ، وبتحریک مشاعر العداء تجاه أعدائهم وقتلتهم وغاصبی حقوقهم ( علیهم أشد اللعنه والعذاب ) من ناحیهٍ أخرى .

والشاهدُ على ما ذکرناه : ” ما وردَ عن الإمام الصادق ( علیه السلام ) من أنه قال للفضیل : تجلسون وتتحدثون ؟ قال : نعم ، جعلتُ فداک ، قال : إن تلک المجالس أحبها ، فأحیوا أمرنا ، رحمَ الله من أحیى أمرنا ، یا فضیل من ذکرنا أو ذُکرنا عنده ، فخرج من عینه مثل جناح الذباب ، غفر الله له ذنوبه ، ولو کانت أکثر من زبد البحر ” .

فإنه لیس یخفى على المتأمل فی هذه الروایه الشریفه ، کیف أن الإمام ( علیه السلام ) قد اعتبر أن قیمه المجالس التی یجتمع فیها الشیعه ، إنما هی بذکر أهل البیت ( علیهم السلام ) الموجب لتحریک الدموع لیس إلا ، مما یعنی أن الغایه المحوریه التی ینشدها المعصومون ( علیهم السلام ) من وراء الدعوه إلى المآتم الحسینیه الشریفه هی الدمعه أولاً وآخراً .

ولا یعنی هذا التقلیل من أهمیه الاستفاده من المنابر الحسینیه الشریفه فی إیصال معارف المعصومین ( علیهم السلام ) لشیعتهم ، ضرورهَ أنَّ الاستفاده من آلیه المنبر الشریف فی نشر المعارف الإلهیه ، هو الآخر من مصادیق إحیاء أمر أهل البیت ( علیهم السلام ) ، حیث ورد عن الهروی أنه قال : سمعت الإمام الرضا ( علیه السلام ) یقول : رحم الله عبداً أحیى أمرنا ، قلتُ : وکیف یحیی أمرکم ؟ قال : یتعلم علومنا ویعلمها الناس .

فالاستفاده من المنبر الحسینی فی نشر معارف الأئمه ( علیهم السلام ) لا ریب فی رجحانها ، لاندراجها ضمن عمومات الإحیاء ، غیر أنه لیس هو الهدف الأساس الذی تکمن وراءه قیمه المنبر الحسینی وخطبائه ، بل القیمه کلها کامنه فی مدى إثاره المنبر الحسینی لمظلومیه المعصومین ( علیهم السلام ) ونشر مصائبهم المفجعه ، وهذا هو ما کان یؤکد علیه الشیخ التبریزی ( طیب الله ثراه ) فی تعامله مع خطباء الدمعه الحسینیه .

58

FootballIran_2006112020755276-(2)

۳ / اللمحهُ الثالثه : بذلُ النفس فی تحصیل العلم .

کانت هنالک خصوصیه یتمتع بها الشیخ التبریزی ( قدس سره ) لم ألحظها عند غیره من معاصریه ، وهی خصوصیه ( قوه الاستحضار ) بحیث کان ذهنه الشریف أشبه شیء بجهاز الحاسب الالکترونی ، فما کنتَ تطرح علیه فرعاً من الفروع الفقهیه ، إلا وکان ینحدر کأنه السیل ، فکانَ – فی أغلب الأحیان – یستعرض متون الروایات المرتبطه بذلک الفرع ، بل ویستحضر حتى أسانید الأخبار ، إلى جانب استحضاره لسائر الکبریات الأصولیه المرتبطه بصغریاتها ، وکأنکَ قد ضغطتَ – بسؤالکَ له – على زرٍ من أزرار جهاز الحاسوب ، لیوافیک بجمیع المعلومات المتعلقه بسؤالک بکل تفصیل ودقه .

وقد أثارت قوهُ استحضارهِ هذه روحَ الفضول عندی ذاتَ مره ، فسألته وقلتُ له : مولانا ،کیف یستطیع الطالب أن یجعل قوه الاستحضار لدیه بهذه المثابه ؟ فأجابنی قائلاً : أیها السید ، إنَّ هذا یحتاج إلى جهد کبیر .

والأمر کما أفاده ( عطر الله مثواه ) إذ أن التوفر على قوه الاستحضار ، کما یتوقف من ناحیه على نضج قوه الذاکره لدى الطالب ، کذلک یحتاج إلى بذل الجهد المضاعف فی تحصیل العلمین العظیمین : الفقه والأصول ، وما یرتبط بهما من معارف رجالیه وحکمیه وکلامیه .

وإنَّ المستوى الشامخ الذی کان علیه شیخنا التبریزی ( قده ) فی قوه الاستحضار ، لمؤشر واضح على مدى الجهد الشدید الذی قد بذله ( طابت فی أعلى الجنه نفسه ) فی طریق تحصیل معارف المعصومین ( علیهم السلام ) حتى أصبح فی طلیعه فقهاء الطائفه المحقه فی المرحله المتأخره .

وفی الختام : أجد نفسی متحیراً أمام شخصیه هذا العلَم العملاق ، لذلک فإننی أستحث الخطى من أجل إنهاء هذه السطور بشکل عاجل ، وإنه لیطیب لی أن أختمها بذکر نفحه من نفحات شیخنا المقدس فی أواخر أیام حیاته ، حیثُ کانَ فی ظل الضعف والمرض – وهو على سریر الموت – لا یترنم لسانه المبارک بشیء من الکلام ، إلا بکلمه واحده ، وهی کلمه : ( یا زهراء ) إذ أنَّ هذا الإسم المقدس قد انتقشت حروفه على صفحه لسانه ، کما انتقشت على صفحات قلبه ، فصار لا ینتشی ولا یطرب ولا یلتذ إلا بذکر اسم السیده الشهیده الزهراء ( أرواحُ جمیع ما خلقَ اللهُ لها الفداء ) لأنه ذاب عشقاً فیها ، وولاءً لها ، والعاشق لا یلتذ إلا بذکر معشوقه ، فکانت حیاته مع الزهراء ، ومماته مع الزهراء ، وسنراه – إن شاء الله تعالى – یوم القیامه ، وهو یحمل أکبر رایه کُتبَ علیها : ( یا لثأرات الزهراء ) .

وإنا لله وإنا إلیه راجعون

ضیاء السید عدنان الخباز

قم المقدسه : ۳ / ۱۱ / ۱۴۲۷ هـ