نويسنده: admin    بخش: الصفحة الأصلیة, المناسبات    تاريخ: ۴ اردیبهشت ۱۳۹۵       

وفی یوم الحادی عشر من المحرّم لمّا أراد الأعداء أن یرحلوا بقافله نساء آل رسول الله من کربلاء إلى الکوفه، مرّوا بهنَّ على مصارع القتلى وهم جثث مرمّله ومطروحه على التراب، فلمّا نظرت النسوه إلى تلک الجثث صحنَ وبکینَ ولطمنَ خدودهنَّ. وأمّا السیّده زینب الکبرى علیها السّلام فقد کانت تلک الساعه من أصعب الساعات على قلبها، وخاصّهً حینما نظرت إلى جثّه أخیها العزیز الإمام الحسین وهو مطروح على الأرض بلا دفن، وبتلک الکیفیّه المقرحه للقلب.

یعلم الله تعالى مدى الحزن الشدید، والألم النفسی الذی خیّم على قلب السیّده زینب، وهی ترى أعزّ أهل العالم، وأشرف مَنْ على وجه الأرض بحاله یعجز القلم واللسان عن وصفها.
فقد مدّ اُولئک الذئاب المفترسه ـ الذین لا یستحقون إطلاق اسم البشر علیهم، فکیف باسم الإنسان، وکیف باسم المسلم ـ أیدیهم الخبیثه إلى جسد أطهر إنسان على وجه الکره الأرضیه آنذاک، وأراقوا دماءً کانت جزءاً من دم الرسول الأقدس، وقطعوا نحراً قبّله رسول الله صلّى الله علیه وآله مئات المرّات، وعفّروا خدّاً طالما التصق بخدّ الرسول الأطهر، ورضّوا وسحقوا جسداً کان یُحمل على أکتاف الرسول الأعظم، وکان محلّه فی حجر الرسول، وعلى صدره وظهره.

لقد کان الرسول الکریم یحافظ على ذلک الجسم العزیز حتّى من النسیم والمطر، فکیف من غیره؟

نعم، إنّ المجرمین الجناه کانوا فی سکره موت الضمیر، وفقدان الوعی والإدراک للمفاهیم، فانقلبوا إلى سباع ضاریه وذئاب مفترسه ووحوش کاسره لا تفهم معنى العاطفه والشرف والفضیله، ولا تدرک إلاّ هواها الشیطانی.

فصنعت ما صنعت بذلک الإمام المتکامل شرفاً وعظمه، وجعلت جسمه هدفاً لسیوفها ورماحها وسهامها، ومیداناً لخیولها، وهم یحاولون أن لا یترکوا منه أثراً یُرى، ولا أعضاء فتوارى.
کان هذا المنظر والمظهر المشجی، المقرح للقلب، الموجع للروح بمرأى من السیّده زینب الکبرى، فهی ترى نفسها بجوار جثمان إمامها وإمام العالم کلّه، وسیّد شباب أهل الجنّه، فلا عجب إذا احتضنته تارهً، وألقت نفسها علیه تارهً اُخرى.

تبکی علیه بدموع منهمره متواصله، وتندبه من أعماق نفسها، ندبهً تکاد روحها تخرج مع زفراتها وآهاتها. تندبه بکلمات منبعثه من أطهر قلب، خالیه عن کلّ ریاء وتصنّع، وکلّ کلمه منها تعتبر إعلاناً عن حدوث أکبر فاجعه، وأوجع مصیبه.

إنّها سجّلت تلک الکلمات على صفحات التاریخ لتکون خالدهً بخلود الأبد، تقرؤها الأجیال قرناً بعد قرن، واُمّهً بعد اُمّه، کی تستلهم منها الدروس والعبر، ولکی تبقى المدرسه الزینبیّه خالدهً بخلود کلّ المفاهیم العالیه والاُصول الإنسانیّه.

نعم، کلمات تقرع الأسماع الیقظه کصوت الرعد، فتضطرب منها القلوب، وتتوتّر منها الأعصاب، وتسخن الغدد الدمعیّه المنصوبه على قمّه العینین، فلا تستطیع الغدد حبس الدموع ومنعها عن الخروج والهطول، وتضیق الصدور فلا تستطیع کبت الآهات والنحیب والزفیر.

أجل، إنّها معجزه وأیه معجزه صدرت من سیّده قبل أربعه عشر قرناً، أراد الله تعالى لها البقاء، لتکون تلک المعجزه غضّه، وکأنّها حادثه الیوم وحدث الساعه.

أجل، کان المفروض أن تفقد السیّده زینب الکبرى وعیها، وتنهار أعصابها، وتنسى کلّ شیء حتّى نفسها، وتتعطّل ذاکرتها أمام جبال المصائب والفجائع والهموم والأحزان.

نعم، هکذا کان المفروض، ولکنّ إیمانها الراسخ العجیب بالله تعالى، وقلبها المطمئن بذکر الله (عزّ وجلّ) کان هو الحاجز عن صدور کلّ ما ینافی الوقار والاتّزان، والخروج عن الحاله الطبیعیه.

ولیس معنى ذلک السکوت الذی یساوی عدم الاهتمام بتلک الفاجعه، أو عدم المبالاه بما جرى، بل لا بد من إیقاظ الشعور العام بتلک الجنایه العظمى، التی صدرت من أرجس عصابه على وجه الأرض.

فلا عجب إذا هاجت أحزانها هیجان البحار المتلاطمه الأمواج، وتفایض قلبها الکبیر بالعواطف والمحبّه، وجعلت تندب أخاها بکلمات فی ذروه الفصاحه والبلاغه، وتُعتبر أبلغ کلمات سجّلها التاریخ فی الرثاء والتأبین، وفی مقام التوجّع والتفجّع.

قال الراوی: فوالله، لا أنسى زینب بنت علی وهی تندب أخاها الحسین بصوت حزین وقلب کئیب: یا محمّداه ! صلّى علیک ملیک السماء، هذا حسین مرمّل بالدماء، مقطّع الأعضاء، مسلوب العمامه والرداء، محزوز الرأس من القفا، ونحن بناتک سبایا.

إلى الله المشتکى، وإلى محمّد المصطفى، وإلى علی المرتضى، وإلى فاطمه الزهراء، وإلى حمزه سیّد الشهداء.

یا محمّداه ! هذا حسین بالعراء، تسفی علیه ریح الصبا، قتیل أولاد البغایا.
وا حزناه ! وا کرباه علیک یا أبا عبد الله !
بأبی من لا هو غائب فیُرتجی، ولا جریح فیُداوى.
بأبی المهموم حتّى قضى.
بأبی العطشان حتّى مضى.

فأبکت والله کلّ عدو وصدیق. واعتنقت زینب جثمان أخیها، ووضعت فمها على نحره وهی تقبّله وتقول: أخی، لو خُیّرت بین المقام عندک أو الرحیل لاخترت المقام عندک، ولو أن السباع تأکل من لحمی. یابن اُمّی، لقد کللت عن المدافعه لهؤلاء النساء والأطفال، وهذا متنی قد أسودّ من الضرب .

——————————————————

* زینب الکبرى علیها السلام من المهد الى اللحد / السید محمد کاظم القزوینی / ص۲۵۰ _۲۵۴٫