
المحاضرة الثالثة لسماحة آية الله العظمى الميرزا الشيخ جواد التبريزي قدس سره الشريف محاضرات ألقاها سماحته (قده) في رحلاته إلى مدينة كركوك في شمـال العراق لأداء وظيفـة التبليـغ أيام شبابه (قده),وكانت هذه المحاضرات قد ألقيت باللغـة التركية, فترجمت وأعيدت صياغتها لتبقى ذخراً من مآثر هـذا المرجع العظيم.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, ووالصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد, وعلى آله الطيبين الطاهرين.
وبعد:
جوّ الآية المباركة
قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ, لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}(1)
تتضمن هذه الآية المباركة بعض المضامين التي أراد الله سبحانه وتعالى أن يبيّنها في القرآن الكريم, والقرآن كتاب أنزله الله تبارك وتعالى لهداية البشر وإخراجهم من الظلمات الى النور, والآية الكريمة تصوّر لنا حالة من أرتحل عن هذه الدنيا وقد بانت عليه آثار الحسرة والندم ويتمنى لو يرجع مرة أخرى الى الحياة الدنيا ليعمل صالحا أو ليكمل ما بقي ناقصا من أعماله والحال أنه كان في الدنيا وسمع الخطاب الالهي إلا انه كان يسوّف أعماله بحجة ان الله كريم وان الوقت متسع. وهؤلاء الناس لهم حالتان:
فإما أنهم سمعوا الخطاب الإلهي وما صدقوه. أو أنهم صدقوه ولكن الشيطان منعهم من امتثاله. ويستفاد من بعض الأخبار أنهم سيرون ما سمعوا في ديار الدنيا وعندها سيندمون على تقصيرهم في امتثال الأوامر الإلهية, ويتعجبون من سرعة انقضاء العمر لهواً وعبثاً, وفوات الفرصة عليهم فيتألمون لذلك. ولكن هذه الحسرة والندم سوف لن يغيّران من الأمر شيئا.
والآية الكريمة تروي لنا حديثهم الذي ليس له أي أثر فالجواب الإلهي هو: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} أي: أنه لا سبيل الى الرجوع الى الدنيا بعد الموت؛ فالإنسان إذا أدركه الموت بدأ طريقاً جديداً {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} وهذه هي المرحلة الثانية. وهي مرحلة الانبعاث بعد انتهاء المرحلة الأولى, والشيطان اللعين عدوٌ لنا في هذه الدنيا يلاحقنا أينما كنا, ولكن بمجرد أن ننتقل من هذه الدنيا الى الآخرة عن طريق الموت فإنه سيتركنا لأن دوره انتهى.
كلمة لأمير المؤمنين × في هذا المجال
يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ×: >وأعلموا أنه ليس لهذا الجلد الرقيق صبر على النار, فارحموا نفوسكم فإنكم قد جربتموها في مصائب الدنيا, أفرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه والعثرة تدميهوالرمضاء تحرقه؟ فكيف إذا كان بين طابقين من نار؟ضجيع حجر وقرين شيطان.<(1)
يريد الإمام × أن يقول لنا: كيف تصبرون على تحمل هذا العذاب؟ ولاحظوا بأن القائل هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ×, وأن الخطاب موّجهٌ لنا, ومن هنا تشير الآية الكريمة الى ندم الناس بعد موتهم وتمنيهم الرجوع الى الدنيا مرة أخرى ليعملوا صالحاً, ولكن محالٌ أن يرجعوا من بعد موتهم؛ لأن الله تعالى جعل الدنيا دار لامتحان الناس واختبارهم.
خيانة الأمة وتخلفها عن الإمام ×
وحينما رحل الرسول الأكرم | الى الرفيق الأعلى كان أمير المؤمنين × مشغولاً بتجهيز الجنازة الطاهرة؛ إذ أوصاه الرصول | وقال له: >يا علي غسّلني وكفني بنفسك<. فقال له الإمام ×: >كيف أغسك وأكفنك لوحدي؟< فأجابه الرسول | : >إن الملائكة ستُعينك على ذلك<. فكان الإمام × وحيداً أثناء تغسيل الرسول | فدخل عليه سلمان (رض) وأخبره بأن القوم اختاروا أبا بكر خليفةً, والناس تبايع. وكان سلمان يظن أن الامام × سيتعجب من سماع هذا الخبر, وإذا بالإمام × – بعد توقفٍ قصير – يقرأ الآية المباركة: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}(1).ولذا نرى بعض الناس يظنون بأن مجرد إيمانهم كافٍ في نجاتهم من الحساب والسؤال عن أعمالهم يوم القيامة. فالإمام أمير المؤمنين × يقول لسلمان : إن هذا امتحان من الله تعالى لهذه الأمة التي تدّعي الإسلام, وكانت تدخل في دين الله أفواجاً.
نحن أيضاً معرّضون للإمتحان
وكما امتحن الله تعالى هذه الأمة فإنه سيمتحننا نحن أيضاً, ولكن امتحاننا يختلف عن امتحانهم بطبيعة الحال. ولم تخسر الأمة جميعها في ذلك الامتحان العسير, بل نجح منهم قلة بعد رحيل الرسول الأكرم | فاجتازوا الامتحان وبلغوا درجات عالية, واستحقوا مقامات رفيعة وتزوّدوا من الدنيا حاجتهم, ولم يضيّعوا أعمارهم عبثاً, ولذا فإننا نذكرهم دائماً بالإجلال والإكبار وطيب الذكر: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ}(1) والعشق الإلهي هو الذي أوصلهم الى هذه المنازل الكريمة؛ ولذا فأنهم فازوا وخلدوا. وحتى في زماننا هذا يوجد بعض الناس ممن نجح في الاختبار الإلهي, واستفاد من عمره على الوجه الصحيح فرحل عن هذه الدار الى تلك الدار متزوّداً بأجلّ الأعمال وأفضلها. وهناك أيضا بعض الناس ممن خسر الدنيا والآخرة.
كيف فاز المؤمنون الأوائل؟
وهنا ينبري هذا السؤال وهو: كيف تمكّنت هذه القلة القليلة من النجاح بعد رسول الله |؟ وما هو الامتحان الذي نجحوا فيه؟ وعلى أيّ مصيبة صبروا؟ وأيّ مشقةٍ تحملوا؟
في رحاب أبي ذر الغفاري (رض)
وحينما نرجع الى التاريخ ونطالع حياة أبي ذر الغفاري (رض) على سبيل المثال, فماذا فعل هذا الرجل؟ وما هي الآثار التي خلّفها من بعده؟ نجد بأنه كان مجتهداً في تبليغ الروايات والأخبار بعد رحيل الرسول الأكرم|, فقد بلّغ وصايا الرسول | الى كل مكان وصله. وقد تحمّل بسبب ذلك الكثير من المشاكل؛ إذ لم يكن عمله هذا ليرضي السلطة الحاكمة؛ فكانت تلجأ الى شتى الأساليب لإيقافه, ولم يشتك أبو ذر (رض) من أيّ أذية أو ظلم؛ بل صبر على تلك المصائب والآلام. فانزعجوا من صبره وتحمّله فقرروا إخراجه من المدينة ونفيه الى الشام, وتم لهم ذلك ونُفي ابو ذر الى الشام, وكان واليها معاوية بن أبي سفيان, وكان السبب الرئيسي لإخراج أبي ذر هو ما رواه من الأحاديث في حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب × وأحاديث أخرى في ذم بعض الصحابة, وما نقله عن الرسول | من الروايات في حق أهل البيت ^. ولم يتوقف أبو ذر & عن نشاطه؛ بل بدأ وهو في الشام يبث الروايات, ويبلّغ الأخبار النبوية في كل مجلس جَلَسه, وفي كل بلدٍ وَصَله.
وتذكر المصادر التاريخية أن الشيعة الموجودين اليوم في جبل عامل هم من بركات ذلك التبيلغ الذي قام به أبو ذر الغفاري & . فهو & بلّغ كل رواية سمعها عن الرسول | بلاخوفٍ ولا وجل, وكان يجلس في المجلس فيقول كما كان يقول, ويجتمع إليه الناس حتى كثُر من يجتمع إليه ويسمع منه ، وكان يقف على باب دمشق إذا صلى صلاة الصبح فيقول: >جاءت القطار تحمل النار ، لعن الله الآمرين بالمعروف والتاركين له ، ولعن الله الناهين عن المنكر والآتين له< .فكتب معاوية (لعنه الله) إلى عثمان: >إنك قد أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر< فكتب إليه عثمان أن >إحمله على قتب بغير وطاء< هذا وأبو ذر شيخٌ طاعنٌ في السن وضعيف البدن, فقدم به إلى المدينة وقد ذهب لحم فخذيه ، فلما دخل ابو ذر على عثمان وعنده جماعة قال له عثمان : >بلغني أنك تقول : سمعت رسول الله| يقول : إذا كملت بنو أمية ثلاثين رجلاً اتخذوا بلاد الله دولاً، وعباد الله خولاً، ودين الله دغلاً ، فقال : نعم سمعت رسول الله | يقول ذلك . فقال لهم : أسمعتم رسول الله يقول ذلك؟< والجالسون هم من عبدة الدراهم والدنانير, وقد ورد (أهلك الناس من عبد الدرهم والدينار) فشهدوا بعدم صدورها, فبعث عثمان إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب × فأتاه فقال : يا أبا الحسن ! أسمعت رسول الله يقول ما حكاه أبو ذر؟< وقص عليه الخبر, ونحن نعلم بمدى احتياط الإمام أمير المؤمنين × في زمن عثمان؛ فهو × كان يعرف مسلك عثمان والى أين سيؤدي به هذا المسلك ولذا فحينما سألوه قال × : نعم أشهد بأن رسول الله | قال هذا. فقال عثمان : فكيف تشهد ؟ قال لقول رسول الله : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر .< وفهم بعض الحاضرين قصد الإمام × فلم يتمكن عثمان من معاقبة أبي ذر, فلم يقم بالمدينة إلا أياماً حتى أرسل إليه عثمان : والله لتخرجن عنها ، قال : أتخرجني من حرم رسول الله ؟ قال : نعم وأنفك راغم ، قال : فإلى مكة ، قال : لا . قال : فإلى البصرة ، قال : لا . قال : فإلى الكوفة ، قال : لا . ولكن إلى الربذة التي خرجت منها حتى تموت فيها . وأمر مروان بإخراجه فأخرجه مروان على جمل ومعه امرأته وابنته فخرج الإمام علي والحسن والحسين ^ وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر لتوديعه(1).
فما تحمّل أبو ذر ما تحمّل, وعانى ما عانى من المصائب والعذاب والنفي؛ إنما كان ليقينه بأن هذه الدنيا إنما هي دار اختبار وامتحان, ولعلمه بأن ما عمله إنما كان لوجه الله تعالى وفي سبيل رضاه, والله تعالى سوف لن يضيع أجره؛ لأنه تعالى يقول: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}(2) .
فيا أحبائي وأعزتي: لقد كان أبو ذر وأمثاله من خُلَّص أصحاب الرسول | وأهل البيت ^ قد تلَّقوا كلام النبي | والأئمة ^ باليقين والقبول.
عودة الى كلمة الإمام ×
يقول الإمام × >وأعلموا أنه ليس لهذا الجلد الرقيق صبر على النار, فارحموا نفوسكم فإنكم قد جربتموها في مصائب الدنيا< نسأل الله تعالى أن يرحمنا في هذا الامتحان العسير.
تقصير الناس في تعلم أحكام الشريعة
فيا أخوتي الأعزاء كما أن السابقين تعرّضوا لاختبارات إلهية؛ فنحن أيضا كذلك؛ ولذا فإنه يجب على كل واحدٍ منا أن يحاسب نفسه, ويراقب أعماله. ولكننا – ويا للأسف الشديد – مقصّرين في هذا الجانب, ونترك هذه الأعمال حتى ولو كانت قصيرة وقليلة المؤونة, بل إننا لا نُكلّف أنفسنا حتى بتعلم الاحكام الإلهية . فنحن اذا مات عندنا شخص نحمل جنازته الى النجف الأشرف ليدفن هناك؛ لأن النجف أرض دُفِن فيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ×, وهنيئاً لمن دفن بجواره × في تلك التربة الطاهرة, ولايسعني في هذه العجالة أن أتكلم عن فضيلة أرض النجف وخصوصياتها, ولكني أردت أن أنبّه على تقصيرٍ قد يقع في مجال الأحكام الشرعية, وهو إننا نرى أحياناً خروج قطرات من الدم من أنف الميت أو من فمه, فحينما يُحمل الى أرض النجف وتقطع الجنازة هذه المسافة الطويلة يكون كفنه قد تنجس بتلك القطرات من الدم, وحينما يُفتح التبوت وتُخرج الجنازة ويرى أوليائها الدم لايجوز لهم دفن ميتهم على هذه الحالة, فلو دفنوه كان دفنه باطلاً في نظر الشارع المقدس, بل الواجب عليهم هو أن يطهّروا الكفن أولاً, ولو فرضنا أنهم دفنوه على تلك الحالة, أي بلا تطهير يجب عليهم إخراجه من القبر وتطهيره ثم إعادة دفنه.
فهكذا أمرنا الأئمة^ وهذا هو مذهبنا ما دمنا نعتبر أنفسنا من أتباع هذا المذهب الجعفري فلابد أن نتقيد بتعاليمه وإرشاداته, فقد مرّ علينا قبل قليل نُتفٌ من حياة أبي ذر الغفاري & ورأينا كم تحمّل هذا الرجل العظيم في سبيل هذا المذهب, وهذا الخط المقدس؛ ولذا فإن أبا ذر هو الشيعي الحقيقي.
فإذن الحكم الشرعي الذي وصلنا عن أهل البيت ^ في هذه الحالة هو أن يُطهر الميت بإزالة النجاسة من بدنه أو كفنه – إن أمكن ذلك, وإلا فيُقَص من الكفن المقدار المتنجس منه؛ بشرط أن لا يُخل ذلك بشرائط الكفن, وإلا فيجب تبديل الكفن في هذه الصورة.
حادثة يرويها سماحة المرجع (قدس سره)
وهنا سأروي لكم حادثة رأيتها بنفسي وهي أنني كنت في أحد الأيام في وادي السلام بالنجف الأشرف, فجاء جماعة يحملون ميتاً لدفنه, ولما فتحوا التابوت وجدوا أن رأس الميت قد أصيب بجروح سببّت خروج بعض الدم منه, فتحيروا ولم يعرفوا الحكم الشرعي؛ فذهبوا إلى بعض رجال الدين في النجف الأشرف يستفتونه في حكم هذه المسألة فأجابهم ذلك العالم بأن الحكم هو وجوب التطهير قبل الدفن.
مسؤوليتنا تجاه موتانا
فانتبهوا جيداً أيها الأخوة: لا ينبغي التقصير في شأن هذه الأحكام الشرعية, وخصوصاً فيما يتعلق بالدفن؛ فالميت سيُسائلكم يوم القيامة إذا دفنتموه بكفن متنجس, وسيقول لكم: ألم تعلموا بأنني شيعي جعفري أوالي أمير المؤمنين علياً × وأهل بيته الكرام ^ ؟. ولكننا مع الأسف نُهمل أحكامنا الشرعية, ولانكلّف أنفسنا حتى بأداء أبسط الأعمال وأهونها لأجل رفعة هذا المذهب الشريف, بعكس أولئك الذين بذلوا الغالي والنفيس من أجل رفع راية التشيع, وما أشد الفرق بيننا وبينهم! وهذا واضح لمن يطلّع على أعمالنا وعلى تقصيرنا في شؤوون ديننا؛ وخصوصاً تلك المسائل التي تتعلق بالطهارة على وجه الخصوص,
ضرورة الإلتزام بأحكام الشريعة المقدسة
فقد أشرنا في المحاضرة السابقة الى الطريقة الشرعية الصحيحة لتطهير الملابس المتنجسة بالصابون فإذا أردت تطهيرها من الصابون يجب أولاً غسل الطشت لإزالة المياه المتبقية فيه, ثم أن تغسل هذا الطشت بالماء القليل وتصب عليه ماءاً طاهراً, ثم تضع فيه الملابس وتغسلها فيه لتصبح طاهرة يمكنك لبسها والصلاة فيها.
فيا أحبائي: الرسائل العملية متوفرة؛ فارجعوا إليها واعرفوا آراء المراجع الكرام الذين ترجعون اليهم في مسائل دينكم؛ كي تعرفوا أحكام الدين الحنيف والمذهب الشريف. هكذا أمرنا الأئمة الميامين ^ كما تنص على ذلك الروايات الشريفة, وهذا بحدّ ذاته اختبار لنا كالاختبار الذي مرّ به أبو ذر الغفاري & ولكنه اختباره وامتحانه كان متناسباً مع منزلته, فكان لابد له من جوب الصحاري والفيافي ليوصل التشيع الى تلك النقاط البعيدة. وأما اختبارنا فهو أن نمتثل ونلتزم بالأحكام التي وصلتنا عن أهل بيت العصمة والطهارة ^.
ورد في بعض الأخبار أن رجلاً جاء الى الامام الصادق × وقال له: يا ابن رسول الله | أجنبت وعندي ماء قليل, فهل يمكنني أن اضع يدي فيه لأغتسل؟ فأجابه الإمام ×: إذا كانت على يدك عين النجاسة فلا يجوز لك إدخال يدك في ذلك الماء.
فاستفاد الفقهاء من هذه الرواية أنه لو وقعت عين النجاسة في ماء قليل تنجس ذلك الماء فلا يكون مطهراً, وبناءا على ذلك لا يجوز أن تصب الماء أولاً في الطشت ثم تخرج منه الملابس المتنجسة؛ فإنها سوف لن تطهر في هذه الحالة, بل يجب تطهيرها بالطريقة التي وردت عن أهل البيت ^ وعندها تجوز لك الصلاة في ذلك اللباس.
ولو صعبت عليك هذه الطريقة فيمكنك أن تأخذ أنت الملابس المتنجسة بيدك بينما يصب الماء شخص آخر وأنت تغسل, ففي هذه الحالة أيضاً تطهر الملابس؛ لأن الماء صُب عليها وليس العكس. فالوارد هو هكذا: >صب عليه الماء< فلماذا لا نتعلم هذه الأحكام ونعمل بها أليست شريعتنا شريعة سهلة سمحاء؟! ولماذا يصلي أحدنا لمدة طويلة وهو غير ملتفت لهذه الأحكام فتذهب صلاته هدراً بلا أجر ولا ثواب؟!
أسأل الله تعالى أن يوّفقنا وإياكم أيها الأعزاء, خصوصاً وإننا في آخر أيام عاشوراء؛ فاستفيدوا من هذه الأيام وتعلّموا أحكام الدين والمذهب, فهذا امتحان لكم, ولنشكر الله تعالى اذا لم يكن امتحاننا كامتحان اولئك الذين امتحنوا بعد رحيل الرسول الأكرم | فهم (رضوان الله تعالى عليهم) بذلوا أموالهم وتركوا عشيرتهم وضحّوا بأولادهم فداءاً للدين, كما ذكرت لكم في قصة أبي ذر الغفاري &. وامتحاننا نحن في هذا الزمان أقل بكثير من ذل الامتحان العسير, فقارنوا بأنفسكم وانصفوا في الحكم, واعملوا بما يقتضيه الوجدان.
كلمة إلى طلبة العلم الحديث
وأوّجه خطابي إلى طلبة العلم الحديث فأقول لهم: إن العلم الذي درستموه من طب أو هندسة أو غيرها هو علم غير علم الشريعة, فكون أحدكم طبيباً لا يعني أنه يختلف عن بقية العوام من الناس بالنسبة الى أحكام الدين, فلماذا هذا التهرب من الدين والتنكّر للشريعة المقدسة؟! طلب العلم فريضة, وأنتم من طلبة العلم؛ وهذه بحد ذاتها نعمة إلهية, راجعوا الكتب المتخصصة بشرح المسائل الفقهية, وإذا صعب عليكم فهم بعضها فاسألوا المتخصصين.
ضرورة السؤال عن الأحكام الشرعية
هناك الكثير من الناس ممن يزور النجف الأشرف ليدفن ميته هناك بجوار إمام الموحدين أمير المؤمنين ×, وبعد الدفن يذهب الى الحرم الطاهر فيصلي ركعتين ثم ينصرف, بينما الأحرى به أن يزور مقلده, ويسأله عن أحكام الدين التي يحتاجها في حياته اليومية, وهذا أمر حبّذ عليه الأئمة الطاهرون ^ وقد قال الباري جل وعلا: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(1) فاستفيدوا من هذه الفُرص, وبهذا أقيمت الحجة عليكم أمام الله سبحانه وتعالى.
بقية مما جرى على أبي ذر (رض)
إذن نعود الى قصة أبي ذر الغفاري (رضوان الله عليه) فقد أخذ ابنته الوحيدة وخرجا من المدينة؛ لأنه رأى أن في خروجه منها صلاح دينه ومذهبه؛ فخرج حتى وصل مكاناً يقال له: (أبض) وكان محلاً للنزول, فنزل أبو ذر وابنته واستقرا فيه. وفي ذات يوم قال أبو ذر لابنته :> بُنيّة: أدركني الموت وحان أجلي وأنا راحل عن قريب< فبكت ابنته وقالت : يا أبه كيف أصنع بك وأنا وحيدة ؟ فقال : يا ابنتي لا تخافي فإني إذا مت جاءك من أهل العراق من يكفيك أمري, فإني أخبرني حبيبي رسول الله | في غزوة تبوك فقال لي : > يا با ذر تعيش وحدك ، وتموت وحدك ، وتبعث وحدك ، وتدخل الجنة وحدك ، يسعد بك أقوام من أهل العراق يتولون غسلك وتجهيزك ودفنك < فإذا أنا مت فمدّي الكساء على وجهي ، ثم اقعدي على طريق العراق ، فإذا أقبل ركب فقومي إليهم وقولي : هذا أبو ذر صاحب رسول الله | قد توفي,(1) فلما توفي (رضوان الله تعالى عليه) عملت ابنته بالوصية وجاءت بعض القوافل الرحالة فدفنوه. وهذه هي حال الدنيا مع الصالحين.
تعريج على الطف
ولكن ماذا حصل في كربلاء؟ لقد وقع الوالد على الولد. أتدرون من هو؟ انه الامام الحسين × وقع على جسد ابنه علي الأكبر وهو على الأرض. وكان علي الأكبر شديد الشَبه بجده رسول الله |, وقد قيل: إن الله أعطى شطر الحُسن ليوسف واعطى الحُسن كله لمحمد |(1), وقد جمع الله تعالى جميع صفات الكمال والجمال في شخص النبي الأعظم محمد |, وكان علي الأكبر × أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً برسول الله | كما قال والده الحسين ×(2) حينما برز علي الأكبر × الى المعركة حيث قال الإمام ×: >اللهم اشهد إنه برز الى هؤلاء القوم غلام؛ أشبه الناس بنبيك خلقاً وخُلقاً ومنطقاً, وكنا إذا اشتقنا الى وجه رسولك نظرنا إلى وجه الغلام< وعلي الأكبر × هو أول من نزل الى المعركة, ولكن لماذا أختاره الحسين × ليبرز قبل الجميع, المسألة فيها أخذ ورد. وعلي الأكبر × أول شهيد من أهل بيت الحسين × وهذا القول أصح الأقوال.
مصيبة علي الأكبر ×
وخرج علي الأكبر وكان الحسين × يراقبه وهو يقاتل قتال الأبطال في ساحة الحرب, وكانت أمه ليلى تنظر الى وجه الحسين × من خلف الخيمة. لماذا كانت تراقب وجه الحسين × ؟ لأنها تعرف مدى الحب الذي يُكنّه الامام الحسين × لولده علي الأكبر × فتعرف من تغيّر وجه الحسين × ما يحدث لولدها في المعركة, وفجأة تغيّر وجه الحسين× ففزعت ليلى وسألت الامام ×: هل حدث لولدي شئ؟ فقال ×: >لا يا ليلى ولكن خرج اليه مَن يُخاف منه عليه, ردّي لخيمتك وادعي لولدك فإني سمعت جدي رسول الله | يقول: >دعاء الأم مستجابٌ في حق ولدها<. فادعي لولدك لأنه محتاج الى دعائك. فدخلت ليلى الى خيمتها وأخذت خمارها ونادت: > يا رادّ يوسف على يعقوب أردد عليّ ولدي< واستجاب الله دعاءها, ورجع علي الأكبر×, ولكن رجوعه هذا أحرق قلب الحسين × ؛ إذ أن علي الأكبر أنهكه العطش ولم يُخفِ ذلك عن أبيه × فقال: > أبه, إن العطش قد قتلني, وثقل الحديد قد أجهدني, فهل لي من شربة ماء؟< فتألم الحسين ×.
تصوروا أيها الأخوة, أبنٌ يحارب الأعداء في ساحة المعركة ويرجع الى أبيه ويطلب منه شربة ماء فلا يستطيع الأب أن يلبي طلبه, ما أصعب هذا الموقف! فقال له الحسين × : > يعزّ على أبيك أن تطلب منه الماء فلا يجد, إرجع الى ساحة الحرب, وسيسقيك جدك | شربة ماء لا تظمأ بعدها أبداً< .
أخوتي لو سألنا الله يوم القيامة : ما هو الزاد الذي تزودتم به ليومكم هذا؟ سنجيبه: ليس لنا إلا علي و الحسين وأهل البيت ^ ولا نملك أعمالاً صالحة إلا حب الحسين, فيا أبا عبد الله أقسم عليك بعطش ولدك لا تتركنا ونحن في القبر, ولا تُعرض عنا يوم نحشر إلى الله, فما ندري ماذا نصنع لو تركتنا؟
ورجع علي الأكبر الى ساحة المعركة تارة أخرى, وقاتَل قتال الأبطال وقتل من القوم مقتلة عظيمة, ولكن العطش أنهكه, وأصيب بجروحٍ كثيرة أضعفته؛ فما كان يتمكن من الجلوس على سرج الجواد, فنادى أباه الحسين×: > أدركني يا أبتاه< فخف اليه الحسين × حتى وصل إليه, ولكن بأيّ حالة وجد ولده؟ فصاح الحسين × : > قتل الله قوماً قتلوك, ما أجرأهم على الله ورسوله؟… بني على الدنيا بعدك العفا<(1) فقال علي الأكبر للحسين ×: > أبه: هذا جدي رسول الله | قد سقاني شربة من الماء, وهو يدخر لك شربة أخرى<.ألا لعنة الله على القوم الظالمين.
مصادر التحقيق
– القرآن الكريم, كلام الله سبحانه وتعالى.
– نهج البلاغة, كلام مولانا أمير المؤمنين ×, بشرح محمد عبده (ت 1905 م ), دار الذخائر, إيران – قم المقدسة, 1412 هـ .
– صحيح البخاري, محمد بن اسماعيل البخاري (ت 256 هـ), دار الفكر للطباعة والنشر, بيروت – لبنان, سنة 1981 م.
– بحار الأنوار, العلامة محمد باقر المجلسي (ت 1111 هـ ) مؤسسة الوفاء, بيروت – لبنان, الطبعة الثانية سنة 1983 م.
– كشاف القناع, الشيخ منصور البهوتي الحنبلي ( ت 1051 هـ ), دار الكتب العلمية, بيروت – لبنان, 1997 م .
– اللهوف في قتلى الطفوف, السيد ابن طاووس ( ت 664 هـ ), منشورات أنوار الهدى, قم المقدسة – أيران, 1417 هـ .
.
